السمعاني
211
تفسير السمعاني
* ( لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( 30 ) منيبين إليه واتقوه ) * * وفي الآية قول ثالث : وهو ما روى أبو عبيد الهروي في الغريبين عن ابن المبارك قال : قوله : ' على الفطرة ' أي : على ابتداء الخلقة التي فطر عليها الإنسان في الرحم من سعادة أو شقاوة ، فأبواه يهودانه يعني : في حكم الدنيا . وقد صحح كثير من أهل المعاني ما ذكرناه من قبل ، وهو أن الآية في المسلمين خاصة ، وهو عموم بمعنى الخصوص . وقوله : * ( لا تبديل لخلق الله ) فيه أقوال : أحدها : ما بينا من قبل ، والقول الثاني : لا تبديل لخلق الله أي : لا ينقلب السعيد شقيا ، ولا الشقي سعيدا إذا خلق على أحدهما . والقول الثالث : لا تبديل لخلق الله أي : لا أحد يثق مثل خلق الله ، ومعناه : أنه لا خالق غيره . وعن عكرمة قال : لا تبديل لخلق الله : هو تحريم الإخصاء . وقد اختلف العلماء فيه ، منهم من حرم في الكل ، ومنهم من أباح في جميع البهائم سوى الآدمي ، ومنهم من أباح في جميع البهائم سوى الفرس ؛ لأن فيه قطع النسل ، والنسل يقصد في الخيل ما لا يقصد في غيره . وروى عن النبي أنه قال : ' خير المال سكة مأبورة ، وفرس مأمورة ' . والسكة المأبورة هي النخل المصطفة التي قد أبرت ، والفرس المأمورة كثيرة النتاج . وأما إذا حملنا الفطرة على الدين فقوله : * ( لا تبديل لخلق الله ) خبر بمعنى الأمر ، كأنه قال : لا تبدلوا دين الله . وقد ورد في الخير : الفطرة بمعنى كلمة الإسلام . روى البراء بن عازب أن النبي قال : ' إذا أخذ أحدكم مضجعه ثم قال : اللهم أسلمت نفسي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت ، قال : فإن مات مات على الفطرة ' . وقد وردت الفطرة بمعنى السنة ، وذلك في الخبر المعروف عن النبي أنه قال : ' عشر من الفطرة ' أي : من السنة الخبر . وقوله : * ( ذلك الدين القيم ) أي : الدين المستقيم ، ويقال : الحساب المستقيم . وقوله : * ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ظاهر المعنى ، وأنشدوا في الفطرة قول كعب بن مالك شعرا : ( إن تقتلونا فدين الله فطرتنا * والقتل في الحق عند الله تفضيل ) قوله تعالى : * ( منيبين إليه أي : اتبعوا دين الله * ( منيبين إليه ) أي : راجعين [ إليه ] . قال الحسن البصري : راجعين إلى الله بصلاتكم وأعمالكم . وعن بكر بن عبد الله المزني أنه قال : المنيب هو الذي يمشي على الأرض وقلبه عند الله . فإن قيل : كيف يستقيم قوله : * ( منيبين ) وقد خاطب غب الابتداء واحدا ، وهو الرسول بقوله : * ( فأقم وجهك للدين حنيفا ) ؟ والجواب عنه ، أن قوله : * ( فأقم وجهك ) أي : فأقم وجهك وأمتك معك منيبين إلى الله ، وحقيقة المعنى : اتبعوا الدين القيم منيبين إلى الله .